محمد غازي عرابي

1057

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

وهذا يمسه الكبر ، وهذا يموت ، ولا يموت إلا هذا المتعين من المادة السوداء التي نقول إنها مثل الروح الجسر الوسيط بين النور الإلهي الخالص والنور الحسي المتمثل في أمواج ضوئية وكهربائية وكهرطيسية ورياح شمسية ، فالكون كما قال هراقليطس يسيل ، ولا يبقى على حاله شيء . أما في عالم الإنسان فثمة ظهورات ، ظهور أصحاب اليمين ، وهم أصحاب الصفات الجميلة بأمر اللّه ، لا فضل لهم في التحلي بها ، وظهور أصحاب الشمال ، وهم أصحاب الصفات المضادة ، ولنقل الصفات المتممة للصفات الجميلة ، ثم وأخيرا السابقون بإحسان ، أي بالفعل الإلهي ، الذين اصطفوا واجتبوا ، ومنهم الموحدون الذين يرون اللّه عيانا في الوجود العياني ويعرفون باللّه ما أصحاب اليمين ، وما أصحاب الشمال ، وما دور الإنسان الحقيقي ، وما مكانته عند اللّه ، وما حقيقة الحرية الإنسانية ، وما القضاء والقدر الذي حارت البرية في معرفته وظلوا له جاهلين ، وما البداية والنهاية وما يوم الدين ، وما الحساب والجزاء ، وما الجنة والنار ، إلى آخر هذه المسائل الغيبية التي لا يدري سواهم عنها شيئا ولا أوتوا من العلم إلا قليلا . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 10 إلى 19 ] وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 12 ) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 14 ) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ( 15 ) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ ( 16 ) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ( 17 ) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 18 ) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ ( 19 ) [ الواقعة : 10 ، 19 ] السابقون هم المقربون في جنة القرب التي قال سبحانه في من وصل إليها : وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا [ مريم : 52 ] ، فهؤلاء مناجون مكلمون ، ليس بينهم وبين اللّه حجاب ، وحديث اللّه إليهم يكون كما قال سبحانه : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [ الشورى : 51 ] ، فهؤلاء الذين خصوا بالوحي ، وهو تكليم إلي باطني بلا واسطة ، وسميناه الوحي العلمي اللدني ، وهو غير الوحي النبوي الخاص بالشريعة ، أنشد الحلاج : لي حبيب أزور في الخلوات * حاضر غائب عن اللحظات ما تراني أصغي إليه بسمع * كي أعي ما يقول من كلمات فكأني مخاطب كنت إياه * على خاطري بذاتي لذاتي حاضر غائب قريب سعيد * وهو لم تحوه رسوم الصفات وقال : إعلم أن العبد إذا وحد ربه فقد أثبت نفسه ، ومن أثبت نفسه فقد أتى بالشرك الخفي ، وإنما اللّه تعالى هو الذي وحد نفسه على لسان من يشاء من خلقه ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحا ليس بينه وبينه ترجمان ) .